الغزالي

277

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

ما جئتك حتى أمر اللّه عز وجل بمنافخ النار . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : يا جبريل صف لي النار أو أنعت جهنم » . فقال جبريل : إن اللّه تبارك وتعالى أمر بجهنم فأوقد عليها ألف عام حتى ابيضت ، ثم أمر فأوقد عليها ألف عام حتى احمرت ، ثم أمر فأوقد عليها ألف عام حتى اسودت ، فهي سوداء مظلمة ، لا يضيء شررها ولا يطفأ لهبها . والذي بعثك بالحق نبيّا لو أن قدر ثقب إبرة فتح من جهنم ، لمات من في الأرض كلّهم جميعا . والذي بعثك بالحق لو أن خازنا من خزنة جهنم ، برز إلى أهل الدنيا لمات من في الأرض كلهم جميعا من قبح وجهه ونتن ريحه . والذي بعثك بالحق لو أن حلقة من حلق سلسلة أهل النار التي نعت اللّه في كتابه ، وضعت على جبال الدنيا لأرفضت وما تقارت حتى تنتهي إلى الأرض السفلى فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « حسبي يا جبريل لا ينصدع قلبي فأموت » . قال : « فنظر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى جبريل وهو يبكي ! فقال : تبكي يا جبريل وأنت من اللّه بالمكان الذي أنت به ؟ فقال : وما لي لا أبكي ، وأنا أحق بالبكاء لعلي أكون في علم اللّه على غير الحالة التي أنا عليها . وما أدري لعلّي أبتلى « 1 » بما ابتلي به إبليس ، فقد كان من الملائكة ، وما أدري لعلي أبتلي بما ابتلي به هاروت وماروت » . قال : فبكى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وبكى جبريل ، فما زالا يبكيان حتى نودي : أن يا جبريل ويا محمد إن اللّه تعالى قد آمنكما أن تعصياه . فارتفع جبريل وخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فمر بقوم من الأنصار يضحكون ويلعبون . فقال : « أتضحكون ووراءكم جهنم ، فلو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ، ولما أسغتم الطعام والشراب ، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى اللّه عز وجل » . فنودي : يا محمّد ، لا تقنّط عبادي ، إنما بعثتك مبشرا ولم أبعثك معسرا . فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « سدّدوا وقاربوا » .

--> ( 1 ) أبتلى : أختبر وأمتحن .